عبد القادر الجيلاني
115
فتوح الغيب
المقالة السّابعة عشرة في كيفيّة الوصول إلى اللّه بواسطة المرشد إذا وصلت إلى اللّه وقربت بتقريبه وتوفيقه . ومعنى الوصول إلى اللّه عزّ وجلّ : خروجك عن الخلق والهوى والإرادة والمنى ، والثّبوت مع فعله من غير أن يكون منك حركة فيك ولا في خلقه بك ، بل بحكمه وأمره وفعله ، فهي حالة الفناء يعبّر عنها بالوصول ، فالوصول إلى اللّه عزّ وجلّ ليس كالوصول إلى أحد من خلقه المعقول المعهود لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] . جلّ الخالق أن يشبّه ( بمخلوقاته ) أو يقاس على مصنوعاته ، فالواصل إليه عزّ وجلّ معروف عند « 1 » أهل الوصول بتعريفه عزّ وجلّ لهم كلّ واحد على حدة « 2 » لا يشاركه فيه غيره ، وله عزّ وجلّ مع كلّ واحد من رسله وأنبيائه وأوليائه سرّ من حيث هو لا يطّلع على ذلك أحد غيره ، حتّى إنّه قد يكون للمريد سرّ لا يطّلع عليه شيخه ، وللشّيخ سرّ لا يطّلع عليه مريده الّذي قد دنا سيره إلى عتبة باب حالة شيخه ، فإذا بلغ المريد حالة شيخه أفرد عن الشّيخ وقطع عنه ، فيتولّاه الحقّ عزّ وجلّ فيفطمه عن الخلق جملة ، فيكون الشّيخ كالظّئر والدّاية ، لارضاع بعد حولين ، ولا خلق بعد زوال الهوى والإرادة . الشّيخ يحتاج إليه ما دام ثمّ هوى وإرادة لكسرهما ، وأمّا بعد زوالهما فلا ، لأنّه لا كدرة ولا نقصان ، فإذا وصلت إلى الحقّ عزّ وجلّ على ما بيّنّا فكن آمنا أبدا من سواه عزّ وجلّ فلا ترى لغيره وجودا ألبتّة ، لا « 3 » في الضّرّ ولا في النّفع ، ولا في العطاء ولا في المنع ، ولا في
--> ( 1 ) في نسخة : ( عن ) . ( 2 ) في نسخة : ( حدا ) . ( 3 ) في المطبوع : ( ولا ) .